حسن بن موسى القادري
84
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - الغير العنصري ، وصورة الجمع والتأليف الغيي الأزلي . وأهل الشقاء ينفصل عنهم ما قد كان يبقى فيهم من أرواح القوى الإنسانية والصفات الروحانية ، وتتوفّر في نشأتهم صور الأحوال المزاجية الانحرافية والصفات الرديئة والكيفيات المردئة الحاصلة في تصوّراتهم وأذهانهم ، والتي ترتبت عليها أفعالهم في الدار الدنيا وأقوالهم . وينضم إلى صورهم ما تحلّل من أجزائهم البدنية في هذه النشأة ، فإن كل ما تحلّل من أبدانهم يعاد إليهم ، ويجمع لديهم بصورة ما فارقهم عقلا ، وعلما ، وحالا ، وعملا ، وما يقتضيه ذلك الجمع والتركيب الذي يغلب عليه حكم الصورة على الروحانية . وأهل الجنة بالعكس ، فإن أكثر قواهم المزاجية ، والصفات الطبيعية ، وما تحلّل من أبدانهم ينقلب بوجه غريب شبيه بالاستحالة صورا روحانية مع بقاء حقيقة الجسم في باطن صورة السعداء ، فالباطن هنا مطلق ، والظاهر مقيّد ، والأمر هناك بالعكس ؛ حكم الإطلاق في ظاهر النشأة الجنانية ، وحكم التقييد في باطنها ؛ وغالب الحكم والأثر فيما ظهر هناك لما بطن هنا وبالعكس . والنشآت المشار إليها هنا أربعة : أولها : هذه « النشأة العنصرية » : وهي كالبذرة لباقي النشآت ؛ ولها الإدماج والجمع الأكبر . وبعدها : « نشأة البرزخ » : وإنها منتشئة من بعض صور أحوال الخلق ، وبعض أعمالهم ، وظنونهم ، وتصوراتهم ، وأخلاقهم ، وصفاتهم ، فيجتمع مما ذكرنا أمور تحصل لها هيئة مخصوصة ؛ كالأمر في المزاج المتحصّل من اجتماع الأجزاء التي منها تركّب ذلك المزاج كان ما كان ، فتقتضي تلك الهيئة ظهور النفس في الصورة المتحصلة من تلك الهيئة ، وذلك الاجتماع ، وصفة الصورة بحسب نسبة الصفة الغالبة على الإنسان حين مفارقة هذه النشأة . فيظهر بعضهم في البرزخ ؛ بل وبرهة من زمان الحشر في صورة أسد وذيخ وطير ؛ كما ورد في الشرّ ، وشهد بصحته الكشف والتعريف الإلهي ، وليس بالمسخ والتناسخ المستنكر ، فإن القائلين بذلك زاعمون أنه في الدنيا ، وهذا إنما هو في البرازخ بعد الموت ، فافهم . ومن غلبت عليه الأحكام الروحانية وإفراط إعراضه عن هذه الدار وهذه النشأة ؛ كالشهداء المقبلين في سبيل اللّه للجهاد بطيب قلب ، وصحة إيمان ؛ تظهر نفوسهم في صور طيور روحانية ؛ كما أخبر صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ أرواح الشّهداء في حواصل طير خضر تعلّق من ثمر الجنّة تأوي إلى قناديل تحت العرش » . وورد في المعنى في الحديث الصحيح : إن في غزوة أحد قال بعض الصحابة لبعضهم معاتبا له : « أتقعد عن جنة عرضها السّماوات والأرض ، واللّه إني لأجد ريحها دون أحد » . وهذا من بكرة نور الإيمان ، وفرط استفراغ الهمّة حال التوجّه مع الإعراض التام عن هذه النشأة -